ابن كثير
239
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الْمُتَلَقِّيانِ الآية وقوله حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي احتضر وحان أجله تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا أي ملائكة موكلون بذلك ، قال ابن عباس وغير واحد : لملك الموت أعوان من الملائكة ، يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم ، وسيأتي عند قوله تعالى : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [ إبراهيم : 27 ] الأحاديث المتعلقة بذلك الشاهدة لهذا المروي عن ابن عباس وغيره بالصحة . وقوله وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ أي في حفظ روح المتوفى ، بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء اللّه عز وجل ، إن كان من الأبرار ففي عليين ، وإن كان من الفجار ففي سجين ، عياذا باللّه من ذلك . وقوله ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ قال ابن جرير « 1 » : ثُمَّ رُدُّوا يعني الملائكة إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ . ونذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة ، رضي اللّه عنه ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح ، قالوا : أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، أخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان ، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ، ثم يعرج بها إلى السماء ، فيستفتح لها فيقال من هذا ؟ فيقال فلان ، فيقال مرحبا بالنفس الطيبة ، كانت في الجسد الطيب ، ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان ، فلا تزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها اللّه عز وجل ، وإذا كان الرجل السوء ، قالوا : أخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ، أخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق ، وآخر من شكله أزواج ، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ، ثم يعرج بها إلى السماء ، فيستفتح لها فيقال : من هذا ؟ فيقال : فلان ، فيقال : لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ، ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر ، فيجلس الرجل الصالح ، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول ، ويجلس الرجل السوء ، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول » « 2 » . هذا حديث غريب ، ويحتمل أن يكون المراد بقوله ثُمَّ رُدُّوا يعني الخلائق كلهم إلى اللّه يوم القيامة ، فيحكم فيهم بعدله ، كما قال قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [ الواقعة : 50 ] وقال وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً إلى قوله وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
--> ( 1 ) تفسير الطبري 5 / 216 . ( 2 ) مسند أحمد 2 / 364 - 365 .